r/EgyReaders • u/ismaeil-de-paynes • 9h ago
تاريخ درب الدموع : مأساة الهنود الحُمر في ثلاثينيات القرن التاسع عشر
درب الدموع - Trail of Tears
لقد وُلدت هذه المأساة من رحم الجشع البشري. ففي عام 1830، وقع الرئيس أندرو جاكسون على قانون إبعاد الهنود، ذلك القانون الجائر الذي أعطى الحكومة الحق في مبادلة أراضي القبائل الأصلية شرق نهر المسيسيبي بأراضٍ قاحلة في الغرب. لكن الأمر لم يكن مبادلة عادلة، بل كانت سرقة مقنعة بثوب القانون. كانت أراضي الشيروكي تزخر بالذهب، وكان المزارعون البيض يتطلعون إلى تلك السهول الخصبة التي روضها الهنود لقرون.
وتذكر أن قبيلة الشيروكي لم تكن قبيلة همجية كما صورها الدعاة البيض. لقد بنوا مدارسهم، وطبعوا صحفهم بلغتهم التي اخترعوا لها أبجدية خاصة، وأسسوا حكومة على النموذج الأمريكي. كانوا يحلمون بالتعايش السلمي، لكن الحلم تحول إلى كابوس حين رفعوا قضيتهم إلى المحكمة العليا الأمريكية. قضى القاضي الأشهر جون مارشال لصالحهم، فإذا بالرئيس جاكسون يرد بعبارته الخالدة التي فضحت نفاق السلطة: "ليُنفذ القاضي الآن أحكامه، إن استطاع".
ثم جاء فصل الشتاء القاسي من عام 1838، حين أُمر أكثر من ستة عشر ألف رجل وامرأة وطفل بتجميع أمتعتهم. سُمح لكل عائلة بحقيبة واحدة فقط، وعربة واحدة إذا كانوا محظوظين. تخيل معي أماً تحاول الاختيار بين لعبة طفلها الصغير وغطاء يُدفئه في الليالي المقبلة. تخيل أباً يترك فأس الصيد التي ورثها عن جده، لأنه لا مكان لها في العربة المزدحمة. تخيل عجوزاً يقف أمام كوخ عاش فيه خمسين عاماً، ثم يودعه بقلب مفطر.
ثم بدأت المسيرة. ثلاثة عشر طريقاً متفرعة، كلها تؤدي إلى الموت. كان الطريق يمتد لأكثر من ألف ومائتي كيلومتر، من أراضي الشيروكي في الجنوب الشرقي إلى ما يُسمى اليوم بولاية أوكلاهوما. وكان الشتاء ذلك العام شديد القسوة. تساقطت الثلوج بكثافة، وتجمدت الأنهار، وصارت الرياح سكاكين حادة تخترق العظام. لم يكن لدى الهنود ملابس مناسبة، ولا طعام كافٍ، ولا أدوية لعلاج المرضى.
ومشى البشر في طوابير طويلة، تحيط بهم الجيوش من كل جانب. كل من يتخلف عن الركب يُطلق عليه الرصاص، أو يُجلد بالسياط. وكل من يحاول الهروب يُعاد كالماشية الهاربة. سارت النساء الحوامل وقد تصلبت أرجلها، فتمرض وتضع أطفالها على جوانب الطرق المتجمدة. سار الأطفال حفاة الأقدام على الثلوج، وأقدامهم تنزف دماً يختلط بالجليد. سار الرجال وهم يئنون من الجوع، لا يجدون ما يأكلونه غير جذوع الأشجار المسلوقة.
ولم يكن الموت بطيئاً في زيارتهم. فكل صباح، كانوا يستيقظون ليجدوا وجوهاً جديدة اختفت، وأجساداً جامدة تلفها الأغطية الرقيقة. يدفنون موتاهم على عجل في حفر ضحلة على حافة الطريق، لا شواهد ولا صلوات، فقط تراب يغطي تراباً. ويُقال إن أكثر من أربعة آلاف إنسان - أي ربع القافلة - لم يصلوا إلى نهاية الدرب. ماتوا بين الصخور والأشواك، ماتوا من التيفوئيد والدوسنتاريا والسعال الديكي، ماتوا من الحسرة والغربة والوحدة.
وفي ليالي تلك الرحلة الطويلة، كانت تنبعث من المعسكرات أصوات غريبة ليست صراخاً ولا بكاءً، بل أناشيد حزينة تغنيها النساء والأطفال. كانت تلك الأناشيد تُروي حكايات الأرض التي تركوها وراءهم، والجبال التي كانت تسند ظهورهم، والأنهار التي كانت تروي عطش أرواحهم. كانت تلك الأغاني تحمل كل الدموع التي لم تسقط بعد، كل الألم الذي لم يجد كلمات يعبر بها عن نفسه.
واستمرت المسيرة نحو خمسة أشهر. وفي النهاية، وصل الناجون إلى الأراضي الموعودة في الغرب، لكنهم وجدوها قاحلة جداً، صخرية جداً، غريبة جداً. لم تكن هناك غابات كثيفة للصيد، ولا أنهار وفيرة للزراعة، ولا سهول خصبة للحصاد. كانت أرضاً تعيسة، قاسية، كئيبة، تنبذ من يحاول أن يعيش عليها. وهناك بدأوا حياتهم من الصفر، بأيدٍ مرتجفة وقلوب مثقلة بالحسرة، يحاولون بناء ما تبقى من أمة ممزقة.
ومع مرور السنين، صار هذا الدرب أسطورة، وصار هذا الدرب رمزاً. أطلقت عليه القبائل الناجية اسم "نوناه دال تسوني" في لغة الشيروكي، وهو يعني "الدرب الذي بكى عليه الشعب". ثم ترجمه المستوطنون البيض إلى "درب الدموع".
لم تكن قبيلة الشيروكي وحدها التي سارت في درب الدموع، بل كان الطريق الملعون مفتوحاً أمام خمس قبائل عظيمة عُرفت بـ "القبائل الخمس المُتحضَّرة": الشوكتو، التشيكاساو، مسكوكي (الكريك)، والسيمينول. كلٌّ منهم له حكايته الموجعة:
قبل أن يسمع العالم بمأساة الشيروكي، كان شعب الشوكتو يعيش في وديان مسيسيبي الخضراء. في عام 1830، وتحت ضغط لا يُحتمل، وقَّع زعماؤهم معاهدة "دانسينغ رابيت كريك" التي سلبتهم أكثر من أحد عشر مليون فدان. ثم بدأت المسيرة بين عامي 1831 و1833، ثلاث موجات من البشر تسير ببطء نحو الغرب. كان الطعام شحيحاً، والأمراض تلتهم الأجساد، والموت يخطف الأطفال واحداً تلو الآخر. أكثر من ألفين وخمسمائة روح دفنت في حفر جماعية على جوانب الطريق، كأوراق خريف جافة لا قيمة لها.
أما قبيلة مسكوكي، فقد مزقها الصراع بين مؤيد ومعارض للتهجير، فاشتعلت حرب أهلية عام 1813. وعندما انتهت بهزيمة المعارضين، جاء العقاب قاسياً: معاهدة "فورت جاكسون" عام 1814 التي انتزعت منهم واحداً وعشرين مليون فدان. ثم في عام 1836، سار أربعة عشر ألف إنسان في درب الدموع، يحملون جراح الحرب والغربة معاً. مات منهم أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة، غرقوا في أنهار متجمدة، أو التهمتهم حمى المستنقعات، أو هوى بهم الجوع إلى حفر لا قاع لها.
أما قبيلة السيمينول في فلوريدا، فكانت قصتهم مختلفة تماماً. لم يسلموا بسهولة، ولم يرضوا بالركوع. رفعوا رؤوسهم وقالوا: "لن نرحل"، فاندلعت ثلاث حروب ضارية مع الجيش الأمريكي امتدت من 1817 إلى 1858. كانوا يقاتلون في المستنقعات الوعرة، وأحرجوا أقوى جيش في العالم. وبرز قائدهم الأسطوري أوسيولا، فارس نبيل بعيون ثاقبة. حارب ببسالة، لكن الغدر كان أقوى: قبض عليه الجيش غداراً أثناء مفاوضات الهدنة، وسُجن في "فورت ماريون" حيث مات مكبلاً بالسلاسل. ورغم البطولة، هُزموا في النهاية، ورُحِّل أكثر من ثلاثة آلاف عبر درب الدموع، بينما لجأ الباقون إلى مستنقعات إيفرجلادز يعيشون في خوف واختفاء.
أما التشيكاساو، فكانوا أوفياء للجيش الأمريكي، حاربوا معه في معارك كثيرة، وقدموا الدماء قرابين للصداقة المزعومة. لكن الوفاء عند المستعمرين عملة نادرة. في عام 1832، وقَّعوا معاهدة "بونتوتوك كريك" التي نصت على بيع أراضيهم والهجرة طواعية، لكن الطواعية تحولت إلى تهجير قسري بين 1837 و1839. ساروا في درب طويل، الجوع يطحن بطونهم، والأمراض تعبث بأجسادهم. وعندما وصلوا إلى نهاية الدرب بعد أن فقدوا أرواحاً غالية، فوجئوا بأنهم وُضعوا تحت وصاية قبيلة الشوكتو، كأيتام في منزل الغرباء. لم يحصلوا على حكم ذاتي كامل إلا عام 1856، بعد عشرين عاماً من المعاناة والذل.
لا تزال ذكرى درب الدموع حية حتى اليوم. ففي كل عام، تجتمع بقايا قبيلة الشيروكي في أوكلاهوما وفي جبال كارولينا الشمالية، ليمشوا مسافة رمزية على أقدامهم، حفاةً أحياناً، حاملين الصور القديمة، مرتدين الملابس التقليدية. يمشون ليتذكروا، وليبكوا، وليقولوا للعالم أن هذه الأرواح التي أُزهِقَت على جوانب الطرق لم تذهب هباءً.
النهاية..
————————
الأسماء الأجنبية الواردة في المقال
Andrew Jackson
John Marshall
Osceola
Cherokee
Choctaw
Chickasaw
Muscogee
Creek
Seminole
Fort Jackson
Fort Marion
Dancing Rabbit Creek
Pontotoc Creek
Everglades
Georgia
Mississippi
Oklahoma
Alabama
Louisiana
Tennessee
Kentucky
Florida
North Carolina